فوزي آل سيف

49

فقه العلاقات الاجتماعية

القوة حيث رفع الدلو الذي لا يرفعه إلا عدة رجال أشداء كان له أن يسأل عن أمانته وكيف عرفت ذلك منه ؟ فأجابته بأنها لما ذهبت إليه وأراد المجيء معها ، طلب منها أن تمشي خلفه وأن تشير له لكي يتجه يمينا أو شمالا ، ولم يشأ أن يمشي خلفها لأن الريح كانت تكشف ثيابها عن بعض ساقها أو تجسد بدنها ! وعرض النبي شعيب عليه أن يعمل عنده في رعي الغنم ، ثماني سنين في مقابل أن يكون ذلك مهرا لها [155]، وإذا أراد الاتمام عشر سنين فهذا من عنده تفضل . وهنا نتوقف بعض الوقفات التي تنفع القارئ المكرم للتأمل في هذه الآيات : 1/ ما الذي يعجب المرأة في الرجل ؟ يتصور بعض الشباب أن الذي يجذب المرأة إلى الرجل هو عطره ، أو فرق شعره أو جمال ثوبه ، أو ( كشخته وأناقته ) .. ولذلك يسعى بعض الشباب ويقتتلون لتحصيل هذه الأمور ! وربما ساعدت الواجهات الإعلانية على ذلك أو التوجيه الخاطئ للأفلام والمسلسلات التمثيلية . إلا أن الصحيح هو أن المرأة بطبعها تحب في الرجل رجولته وشهامته ، وقوته بمقدار ما تعبر تلك القوة عن الشهامة ! إن كل الرعاة الشباب لم يلفتوا نظر ابنتي شعيب مع أنهما تريانهم يوميا لكن شابا يأتي بموقف رجولي ، ولا ينظر نظر طمع إلى ( أنثى ) جالسة ، إن هذا الشاب يجتذب المرأة الناضجة . صحيح أن موسى كان قويا وشجاعا ، فها هو يرى رجلا قبطيا ظالما يعذب أحد بني اسرائيل من غير مبرر ، فتحركت شهامته في نصرة الاسرائيلي ضد القبطي ( فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ )[156] ولعلك تتصور مقدار قوته حيث أنه بوكزة واحدة ( ضربة بجمع الكف ـ ما يعبر عنها اليوم بوكس ـ) قد قضى عليه . كما أن أمانة الشخص وتحليه بالأخلاقيات العالية تجعله عند المرأة نموذجا يرغب فيه ، بينما ذلك الذي يلعب ، ويخون ، ويغش ويكذب لا يحصل على إعجاب المرأة ، بل ربما هي اندفعت للسير في نفس الاتجاه إذا رأت صاحبها يستحسنه ويسير فيه ! لقد قالت عنه بإعجاب كبير مقترحة على أبيها أن لا يضيع فرصة التعاقد معه (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ)[157] . 2/ مشاورة النساء والعلاقة بين الوالد وابنته : إننا مع التأمل في الآيات المباركات نجد أنفسنا أولا مع علاقة متميزة بين والد هو النبي شعيب عليه السلام ، وبين ابنته التي تتحاور معه ، في قضية لو عرضت في هذه الأيام في مجتمعاتنا ( المحافظة ) لكانت مشكلة عظيمة ! فكيف تتفاهم أولا فتاة شابة عزباء مع شاب أعزب خارج المنزل ؟ وتطلب منه أن يقدم لها خدمة بالتالي ؟ ثم تقترح على أبيها أن يستأجره ويجعله معه في منزله ؟ إنني أتصور لو أن هذه الحادثة قد جرت في زماننا واقترحت بنت على أبيها مثل هذا الاقتراح لكان نصيبها من الشتم والضرب أمثال نصيبها من التهمة بأنها على علاقة خاطئة معه ! ثم إنها لما اقترحت عليه ، لم يشكك في نيتها ، ولم يتهمهما بالمواعدة ، وإنما ـ بحسب الروايات ـ سألها عن تفاصيل ما حدث ، وكيف عرفت أنه أمين وقوي ؟ ولا نستطيع هنا أن نبعد فرضية محبتها إياه وإعجابها به ! فلما رأى النبي الكريم شعيب أن كلامها معقول ، قام بتطبيقه

--> 155 ) تعرض الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره الأمثل إلى إجابة لبعض الأسئلة التي تتعلق بمهر بنت شعيب مثل أنه كيف يكون عملاً ؟ وكيف يكون مهر البنت عملاً للأب ؟ وغيرها ، فليراجع في موضعه من أحب التفصيل . 156 ) القصص 15 157 ) القصص 26